Overblog Tous les blogs Top blogs Mode, Art & Design Tous les blogs Mode, Art & Design
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
22 Jun

تحولات التعلم الإعلامي في الجزائر: تطبيقات وتحديات

Publié par Ali_kessaissis

          ترمي ورقة العمل هذه إلى طرح إشكالية منظومة التعليم الإعلامي العالي في الجزائر وإعادة صياغتها في ضوء تجارب تمتد على مدى نصف قرن تقريبا وممارسات ترتكز على مبادئ نظرية وأمبريقية وأسس منهجية للمدرستين اللاتينية والأنجلو-سكسونية وامتداداتهما في المغرب والمشرق العربيين. وتستهدف المداخلة أيضا وفي نفس السياق، وضع تصور لما ينبغي أن تكون عليه منظومة التكوين العالي في مجال الإعلام والاتصال في الجزائر باعتبار موقعها الجيوستراتيجي في قلب المغرب العربي وبعدها العربي الإسلامي وامتدادها الأوروبي من خلال الإرث الثقافي الفرنكو-لاتيني والمبادلات التجارية والمالية وانعكاساتها على الاختيارات المتنوعة والمتعددة  بما فيها الاختيارات البيداغوجية"1"

          إن الجزائر، كبلد إفريقي، عربي ومسلم ينتمي لمجموعة البلدان الانتقالية من حالة المجتمعات التقليدية إلى حالة المجتمعات الصناعية، وفي وقت تتحول فيه المجتمعات الصناعية إلى مرحلة ما بعد الصناعية، إلى ما بعد الحداثة، هذه الجزائر تتوفر على إمكانيات تتكون من عناصر مادية وغير مادية وقدرات بشرية وغير بشرية، قد يسمح استخدامها بعقلانية من إحداث تراكم معرفي يجعل تجربتها في مجال التعليم الإعلامي ودراسات الاتصال تجربة متعددة تتكون من مجموعة التجارب التي عرفها عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية  تبعاً للتقسيم الأيديولوجي والسياسي، ولا تقتصر على عناصر واحدة منها، كما هو الشأن في بلدان المشرق العربي الواقعة تحت تأثير المدرسة الأنجلو-سكسونية  وبلدان المغرب العربي الواقعة تحت التأثير البالغ للمدرسة الفرانكو- لاتينية، وأيضا في العالم الغربي بمدارسه المختلفة.

          غير أن الأنموذج[1] السائد في الجزائر وأفق توقعه في المستقبل المنظور، لا يدفع إلى التفاؤل بقدر ما يدفع إلى التشاؤم بشأن أصالة وفعالية تجارب هجينة تجري في محيطات مناوئة وغالبا معادية للعقلانية التي تقوم عليها فلسفة التعليم في العالم المعاصر، وبخاصة في المستقبل القريب التي بدأت ملامحه ترتسم بفعل التكنولوجيات الخلاقة المبتكرة وتكنولوجيات تسيير وإدارة الحاضر والمستقبل. ومنه، فإن أية محاولة استفادة من هذه التجربة، ينبغي أن تسبق بتنقيح وتطهير التجربة ثم إعادة صياغتها وفقاً لمنظور مطهَّر من الشوائب العالقة بها من مظاهر اللاعقلانية والحدس والغيبية...المتناقضة مع المنطق الذي تقوم عليه الحضارة الحديثة وما بعد الحديثة، أي الحضارة الإلكترونية.

         إن معالجة هذه الإشكالية تتطلب منا تفكيك مواضيع المداخلة  وتوزيعها على محورين أساسيين يتضمنهما العنوان الرئيسي، "تطبيقات وتحديات" والتطرق إليهما وفقاً لخطة منهجية كما يلي:

1-المحور الأول: تطبيقات التعليم الإعلامي في الجزائر

ويضمن خلفية تاريخية تعنى خاصة بالتطور الهيكلي للتعليم الإعلامي على امتداد 46 سنة كاملة، أي زهاء ربع قرن مما يفترض وجود تجربة تراكمية غالباً غنية بالخلاصات الإيجابية التي قد تفيد في بناء تصور متكامل لاتجاهات تحولات التعليم الإعلامي نحو مستقبل يختلف عن الماضي والحاضر، ولكنه امتداد زمني لهما. كما يتضمن هذا القسم تحليل ونقد التجربة البيداغوجية من خلال هيئات التأطير واتجاهاتها المختلفة ليس فقط الأكاديمية ولكن السياسية والأيديولوجية أيضاً، لما لهذين الجانبين من تأثير على مختلف نواحي الحياة في مجتمعات غير مستقرة استقرار فيها كفاية لنضج التجربة وارتسام معالم الخلاصات. 

2- تحديات الآفاق المستقبلية للتعليم الإعلامي:

   ويعني بالتحديات التي يواجهها التعليم بصفة عامة، والتعليم الإعلامي في عالم اليوم الذي يؤسس للمستقبل، وخاصة التحديات التي تطرحها التطورات السريعة للتكنولوجيات الخلاقة من تكنولوجيات النانو والبيوتكنولوجيا وتكنولوجيات المواد الذكية والتكنولوجيات الرقمية وانعكاساتها على البيئة الإيكولوجية للإنسان والطبيعة على حد سواء.

كما يتضمن أخطار الإبقاء على الممارسات الراهنة وامتداداتها المستقبلية المنظورة وصلابة المقاومة المتوقعة لأية محاولات استئصالها وضرورة استبدالها بآليات موضوعية تتجاوز الميولات السياسية  الظرفية والأيديولوجيات الهدامة في مقابل الأيديولوجيات الخلاقة.

          ونأمل في النهاية التوصل إلى خلاصة مبنية على تجارب الماضي ومعاينة الراهن لبناء تصور مستقبلي يستثمر تجاربنا الذاتية استثماراً موضوعياً ويسمح لنا بالخروج من حالة التبعية وربما المساهمة الايجابية في الحضارة الإنسانية التي أقصينا منها لأسباب داخلية لها علاقة ليس فقط بالجغرافيا والتاريخ ولكن بمنظومة القيم الثقافية وخارجية خاصة بمحيط غالبا مناوئ لموروثاتنا التاريخية وماضينا الذي نحاول بعثه في الحاضر وإرساله نحو المستقبل أحياناً بدون تكييفه مع متطلبات المحيط الراهنة والمستقبلية.

1- تطبيقات التعليم الإعلامي في الجزائر

         ورثت الجزائر غداة استقلالها عن القوى الاستعمارية الفرنسية سنة 1962 أي منذ زهاء نصف قرن من الزمن، نظاما إعلامياً، مثل جميع الأنظمة في القطاعات الأخرى، صمم أساساً لخدمة السياسية الاستعمارية في بداية النصف الثاني من القرن الماضي.

         كانت الفترة الموالية للحرب العالمية الثانية قد شهدت انتشاراً واسعاً وبداية تطبيق المبادئ الديمقراطية والأفكار المتعلقة بحقوق الإنسان الواردة في ميثاق هيئة الأمم المتحدة والنصوص المستمدة منه، خاصة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان[2]. وكان من سمات تلك السياسة، بعض المؤشرات الدالة، ولو شكليا، على مبادئ الجمهورية الفرنسية الرابعة على وجه الخصوص، حرية، أخوة و مساواة، انعكست في تمكين بعض الجزائريين من الوصول إلى الجامعة[3]وممارسة بعض الوظائف في الإدارة والصحة والمحماة والتعليم...والصحافة.

        النظام الإعلامي الذي ورثته الجزائر عن النظام الاستعماري بسلبياته وإيجابياته، تم تدعيمه بمؤسسات إعلامية مماثلة، ولكن بمحتويات مناقضة كانت الثورة التحريرية قد أنشأتها لإغراض الحرب النفسية المضادة[4]، ولكن تصميمه وتنظيمها وأهدافها مستمدة من الفلسفة العامة لتنظيم المجتمع الجزائري تحت الاحتلال.

         وقد استمرت هذه السمات تطبع تصميم وتنظيم وتحديد أهداف وسائل الإعلام الجزائرية عامة، أي التي ورثتها الجزائر أو تلك التي أنشأها الثورة، ولاسيما الوسائل السمعية-البصرية، فتؤدي نفس الوظائف التي وجدت من أجلها إلى جانب بعض التعديلات التي أدخلت على مهامها الشكلية بتأثير من الاختيارات السياسية التي أعلنتها الحكومات الجزائرية تماشيا مع ميلها للنهج الاشتراكي وحركة عدم الانحياز. وهذا رغم اعتماد سياسية تكوينية في مجال الصحافة والإعلام بإنشاء أول مدرسة وطنية عليا للصحافة وعلوم الإعلام سنة 1964، بفرعين على أساس لغوي، فرع متفرنس يؤطر ها فرنسيون[5]، وفرع معرب يؤطره عرب من المشرق العربي وخاصة من مصر وبعض الجزائريين في اللغة والأدب.

  1.1 - التطور الهيكلي للتعليم الإعلامي الجامعي:

         بدأت المدرسة الوطنية العليا للصحافة وعلوم الإعلام التي كانت في البداية تابعة للوزارة المكلفة بالإعلام، في تخريج الدفعات الأولى ابتداء من سنة 1967، وفقا لبرنامج يشتمل على أغلب المواد ذات الطابع المهني والأدبي والثقافي العام[6]، ولكن التكوين اللغوي أيضاً خاصة بالنسبة للقسم العربي حيث كانت العربية على درجة عالية من الضعف لدى الطلبة مما حتَّم إدخال مادة النحو العربي والقواعد الإملائية ضمن البرامج البيداغوجية على سبيل المثال. وما أن حلت سنة 1974، حتى كانت المدرسة التي ألحقت بوزارة التعليم العالي سنة 1970، قد كوَّنت تسع دفعات من حاملي شهادة الليسانس في علوم الصحافة والإعلام بمعدل 20 طالباً للدفعة الواحدة، التحق عدد منهم بالتدريس كمعيدين بالمدرسة، في حين فضلت الأغلبية الذهاب في بعثات طلابية للجامعات الأجنبية، العربية، والأوروبية، والأمريكية[7]، بهدف العودة إلى التدريس أيضاً، ولكن في مصاف أساتذة مساعدين ومحاضرين وفقا لعقود التكوين العالي بالخارج التي وضعتها السلطات العمومية في سياق مخططات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

         غير أن إصلاحات التعليم العالي ابتداء من العام الجامعي 1974/75 ألحق مدرسة الصحافة بمعهد العلوم السياسية مما أدى إلى إدماج مواد الثقافة العامة في الجذع المشترك لمدة سنتين في حين اقتصر التخصص على السنتين الأخيرتين لمد الطلبة بمهارات مهنية من مثل تقنيات التحرير الصحفي والتنشيط الإذاعي والتلفزيوني والإخراج الصحفي، الأمر الذي لم يمنع طلبة تخصص العلوم السياسية من تولي مهام صحفية ومهام التدريس في تخصص وسائل الإعلام الجماهيرية التي كانت محتكرة من قبل الدولة والحزب وحدهما إلى التسعينيات من القرن الماضي.

          ولكن في منتصف الثمانينيات، رجع عدد من طلاب البعثات الخارجية والتحقوا بالتعليم الإعلامي، الأمر الذي أدى إلى فصل التخصصين عن بعضهما وإنشاء معهد علوم الإعلام والاتصال الذي استمر إلى نهاية القرن، حيث أنشئ نظام الكليات الذي أدمج التعليم الإعلامي ضمن برامج كلية الآداب، ولكن بعد ثلاثة سنوات فقط أنشئت كلية العلوم السياسية والإعلام منذ 2002 ليندمج التسيير البيداغوجي للتكوين الإعلامي من جديد ضمن العلوم السياسية، ولازال الوضع قائما بهذا الشكل إلى الآن مع وجود مشروع لإنشاء كلية علوم الاتصال ووسائل الإعلام، إلى جانب العودة إلى نظام  المدرسة العليا للصحافة[8] تابعة مباشرة لوزارة التعليم العالي أي مستقلة عن الجامعة تختص بالتكوين في مستوى ما بعد التدرج، يفترض أن مهامها تكمن أساساً في تكوين كفاءات مهنية لسد احتياجات السوق الإعلامية، ولكن المشرفين على شؤونها، وهم من بقايا الفراكوفونية في الجزائر، يحاولون استرجاع  مكانتهم  التي كانوا قد فقدوها بتعريب العلوم الاجتماعية والإنسانية منذ ثمانينيات القرن الماضي، ذلك أنهم يحاولون إعطاء برامج التكوين صبغة أكاديمية أكثر منها مهنية.

          والواقع أن إنشاء مدارس عليا مستقلة[9] عن الجامعات وموازية لها لا يخرج عن نطاق مشاريع العودة إلى فرنسة التكوين العالي في العلوم الاجتماعية والإنسانية، الأمر الذي ينبئ بمدى استفحال الاعتبارات الأيديولوجية وإلحاحها على الامتداد في المستقبل وتأثيراتها على دوائر القرارت السياسية بما فيها السياسة التربوية والتعليمية.

     1.2 - التطور البيداغوجي للتعليم الإعلامي في الجزائر:

         قد يسمح هذا العرض التاريخي الموجز من رسم خطوط عريضة لمحتوى التكوين الإعلامي العالي في الجزائر الذي خضع لعوامل غير علمية في أكثر من مرحلة، حيث كانت الانطلاقة، في سنة 1964 أي عامين فقط بعد الاستقلال، أيديولوجية بالدرجة الأولى، حيث كانت اللغة الفرنسية وحدها السائدة في جميع القطاعات وخاصة الجامعية وكان الفرنسيون الذين فضلوا البقاء في الجزائر وبعض المفرنسين الجزائريين وحدهم القادرين على الإشراف على التعليم الجامعي عامة والإعلامي بصفة خاصة.

         كانت اللغة العربية شبه غائبة سواء تعلق الأمر بهيئة التدريس أو الطلبة. ومع ذلك تم فتح قسم معرب يشرف عليه أساتذة مصريين في أغلبتهم الساحقة، يضم عدداً قليلاً من الطلبة لا يتجاوز عددهم 20 طالباً قادمون في أغلبيتهم من الزوايا والمدارس القرآنية، أكثرها حداثة، المدارس الدينية التابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

         ومن هنا كانت النواة الأيديولوجية الأولى التي ستترك بصماتها على تطور التعليم شكلاً ومحتوى. من جهة  الأساتذة الفرنسيين والمتفرنسين الذين يمثلون العصرنة والحداثة المرتبطين لغوياً وثقافياً  بالديمقراطية وحقوق الإنسان، ومن جهة أخرى، الأساتذة العرب والمعربين المرتبطين بالقومية العربية الناصرية وبالثقافة المحلية التقليدية المتخلفة الواردة من الزوايا والانتماء للعروبة والإسلام الذي حملت لواءه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. نفس التمييز بين التقدم والتخلف والعصري والتقليدي الذي صنَّف هيئة التدريس إلى فئتين متنازعتين ومتصارعتين، طبع أيضاً العلاقة التصادمية بين طلبة أول مدرسة جزائرية للتكوين الإعلامي، وهي ثاني تجربة عربية بعد كلية الإعلام في جامعة القاهرة[10] سنة 1937، ولا زال هذا الصراع مستمراً إلى اليوم، ضمن هيئات التدريس المكونة أساساً من قدماء  الطلبة، يرخي بظلاله على مستقبل التعليم الإعلامي في الجزائر، متمثلاً خاصة في استيلاء  المعربين على كليات وأقسام الإعلام في مختلف الجامعات الوطنية، ومحاولة عودة المتفرنسين من خلال إنشاء مدرسة عليا للصحافة وعلوم الاتصال[11]، ولكن كذلك من خلال تكوين جماعات أيديولوجية في أوساط الطلبة والأجيال اللاحقة من المؤطرين.

         هذه النواة الأولى للتعليم الإعلامي في الجزائر، اصطدمت إلى جانب هذه الصراعات الأيديولوجية،  برغبة السلطات العمومية في تسييس الإعلام بما فيه التكوين العالي، إيماناً من النظام السياسي بقوة التأثير السحرية التي تمتلكها وسائل الإعلام والتي يعتبرها أسلحة أيديولوجية فتاكة لا يمكن تركها في يد قوى مناوئة أو معادية أو حتى معارضة، تماما مثل كان الشأن في بداية القرن الماضي في المجتمعات الصناعية التي كان يُعتقد فيها آنذاك، أن وسائل الإعلام تنافس الآباء والمربين في تنشئة أبنائهم تنشئة يرضون عنها[12].

         فقد تم إلحاق التكوين الإعلامي بمعاهد وكليات العلوم السياسية من سنة 1974 إلى غاية 1985، ثم العودة بعد ذلك إلى نظام معهد مستقل إلى غاية نهاية القرن الماضي والعودة ثانية إلى الاندماج في العلوم السياسية من بداية القرن إلى الآن. وقد نجم عن ذلك أن استولى العديد من خريجي العلوم السياسية مهام تكوين وممارسة صحفية بدون خلفية ومهارات تقنية مهنية، مما انعكس على نوعية التكوين والممارسة الإعلامية في الجزائر. وقد شجعت هذه الوضعية تيار الفرانكفونية من تدعيم أطروحاتهم المعادية لتعريب العلوم الاجتماعية والإنسانية عامة والتكوين الإعلامي بصفة خاصة، باعتبار أن المعربين الذين يشرفون على التكوين متخلفين معرفياً ومنهجياً، فلا يمكن أن تنتج مؤسسات التكوين المتخلفة بتخلف مسيريها، مهارات معتبرة. ومما زاد في تدعيم هذه الأطروحات هو أن تولي المسؤولية في جميع المستويات لا يخضع لاعتبارات موضوعية، بل لاعتبارات الولاء السياسي والأيديولوجي والجهوي واللغوي بالدرجة الأولى، وتأتي الكفاءة في مؤخرة سلم شروط التكليف بالمهام، إن لم تكن من مسببات الإبعاد والتهميش والتهجير.

  

2- تحديات الآفاق المستقبلية للتعليم الإعلامي في الجزائر

        على ضوء  التحليل والنقد المتعلقين بتطور التعليم الإعلامي في الجزائر هيكلياً وبيداغوجياً،  يمكن في هذا القسم من المداخلة، أن نلخص التحديات التي تواجد التعليم الإعلامي في الجزائر، كما هو الشأن في المجتمعات الانتقالية المشابهة لها في الظروف والشروط السياسية والثقافية، في ثلاثة محاور رئيسة، هي:

1.2- تحدي عددي، يتعلق بتطور عدد هياكل التكوين من مدرسة للصحافة تستعيب 40 طالباً بين معرب ومتفرنس إلى أكثر من 30 قسما وكلية للصحافة وعلوم الإعلام والاتصال موزعة على جامعات في الشرق والغرب والشمال والجنوب، حيث تكاد تنعدم الشروط التقنية والبشرية للتكوين  الإعلامي. الأمر الذي يمكن أن يرفع عدد الطلبة المسجلين في أقسام الإعلام إلى أكثر من 20 ألف طالب، منهم أكثر من 8 آلاف في قسم الإعلام بكلية العلوم السياسية والإعلام بجامعة الجزائر وحدها.

2.2- تحدي نوعي تتمثل في غياب كلي لنوعية التكوين الناجم عن العدد المتزايد للطلبة الراغبين في الانضمام إلى عالم الإعلام والاتصال، وقلة هياكل الاستقبال من جهة، المؤطرين الأكفاء من جهة أخرى، حيث أن البعثات الطلابية التي أرسلت إلى العالم العربي وأوروبا وأمريكا للتكوين المتخصص من أجل التأطير الجامعي، لم تعد إلا بنسبة قليلة. وما عاد منها تم تهميشه أو إبعاده أو عرقلته لدفعه إلى الهجرة وخاصة خلال العشرية الخيرة من القرن الماضي، حيث هاجر عدد كبير من أساتذة الإعلام والاتصال إلى الجامعات الأجنبية والعربية حيث تتوفر شروط أمنية ومادية ومالية واعتبارية... تكاد تنعدم في الجزائر، إلى جانب الصراعات الأيديولوجية والسياسية والجهوية واللغوية.

         وقد نجم عن ذلك غض النظر عن التخصص في توظيف الأساتذة لتدريس طلبة الإعلام، وأحيانا عن التكوين العالي وخاصة في الجامعات الداخلية. وقد تمت الاستعانة بأساتذة من جميع التخصصات العلمية وخاصة العلوم السياسية والقانون وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلوم المكتبات والتاريخ والأدب... باعتبار أن علوم الإعلام والاتصال متعددة التخصصات. كما تمت الاستعانة بمراسلي الصحف المحليين في تدريس تاريخ وسائل الإعلام وفنيات التحرير والتنشيط في الجامعات الداخلية التي لا تتوفر في أحيان كثير على أستاذ محاضر واحدة[13].

3.2- تحدي التكيف مع رهانات المستقبل، وهذا من خلال تحليل وتقييم البرامج البيداغوجية لدراسات ما بعد التدرج، أي درجات الماجستير والماستر وما يتبعها من أطروحات أعلى مستوى من مثل درجات الدكتوراه  وما بعد الدكتوراه التي يفترض أن تتواصل وتعمل على ترقية  الدراسات الأولى لما بعد التدرج.

         الواقع أن الدراسات العليا في التعليم الإعلامي في الجزائر لم تنطلق سوى في الثمانينيات من القرن الماضي بعد العودة المحتشمة لبعض البعثات الطلابية من الخارج، وتوقفت نهائياً في التسعينيات بعد تدهور الظروف الأمنية وهجرة العديد من الأساتذة المحاضرين تحت ضغوطات وتهديدات عديدة ومتنوعة. ومع بداية القرن الحالي عادت الدراسات العليا في الإعلام والاتصال حيث أنشئ فرع الماجستير تشرف عليه تشكيلة من الأساتذة الذين تمت الاستعانة  من تخصصات شتى لمواجهة العجز الفادح في هيئة التأطير المناسبة.

         في البداية، تمكنت التيارات الفرانكفونية من الاستيلاء على الدفعات الأولى من الماجستير مما أعاد الصراع الأيديولوجي إلى السطح بين ممثلي النواة الأولى لمدرسة الصحافة التي تكونت في الستينيات من القرن الماضين، أي بين تيار الحداثة المتمثلة في المدرسة الفرانكفونية بعد انسحاب عناصر تكونت في العالم الأنجلو-سكسوني وكانت أن تكون نواه مدرسة جديدة في الدراسات الإعلامية،  وبين التيار التقليدي المتمثل في المعربين المنحدرين من الزوايا والتعليم الديني التقليدي.

         مرة أخرى سجل التيار المحافظ المدعوم سياسيا وإيديولوجيا من قبل حزب الأغلبية الحاكمة، انتصاراً على تيار "الحداثة"، بالاستيلاء على التكوين الجامعي العالي بالإشراف على وضع وتنفيذ برامج تكوين تنسجم مع مبادئه وتحقق طموحاته المحدودة في الزمن المنظور، ربما لعجز في الاستشراف.

فقد تأسست منذ منتصف العشرية الأولى من هذا القرن، أربع تخصصات تكوين في الماجستير، هي:

1- اتصال الأزمات التي أصبح فيما بعد تخصص في الاتصال "الاستراتيجي"[14]، مما أثار اغتياظ تيار "الحداثة" الذي أنشأ تخصصاً حديثاً هو الاتصال النيئ بدعم من جامعات أمريكية مهتمة بشؤون البيئة، ونجح من جديد في إنشاء مدرسة عليا للصحافة وعلوم الاتصال بدعم من المدرسة الفرانكفونية.

2- دراسات جمهور وسائل الإعلام ودراسات التلقي والدراسات النقدية الثقافية التي تنسجم تماماً مع الدراسات الإعلامية الحديثة من منظور المدرسة الأنجلو-سكسونية. ولكن هذا التخصص ألغي من قبل نفس التيار التقليدي الذي أنشأه إلى جانب رفض اقتراح تخصص سبر الآراء الذي تم اقتراحه لتعويض تخصص دراسات الجمهور الملغى. 

3- مجتمع المعلومات، الذي يعنى بدراسة التأثيرات وانعكاسات تكنولوجيات الإعلام والاتصال الجديدة على المجتمع والثقافة والاقتصاد وعلى وسائل الإعلام. وقد تم إلغاء هذا التخصص بعد ثلاثة دفعات فقط.

4- السينما والتلفزيون، وهو تخصص مهني أكثر منه أكاديمي، ولكن المشرفين عليه أكاديميين أكثر منهم مهنيين على أكثر تقدير، أو ليسوا من الاثنين بتاتاً.

5- سيميولوجية الاتصال، وهو تخصص يمكن أن يندمج كمادة في تخصص السينما والتلفزيون ولكن تم إنشاؤه بمناورة من التيار المحافظ للحيلولة دون إنشاء تخصص سبر الآراء.

6- التشريعات الإعلامية، وهو التخصص الوحيد الذي يعني بالسياق القانوني الذي تجري فيه العملية الاتصالية في المجتمع. وتم قبوله لاعتبارات سياسية وأيديولوجية ومناوراتية.

       كما تم رفض مقترح إنشاء تخصصين متعلقين كلاهما بعلوم المستقبل، الأول تكنولوجيات الإعلام الجديد والتنمية البشرية المستدامة، وعلوم المكتبات والتوثيق، على الأرجح لعدم القدرة على تبيان أهميتهما بالنسبة للتيار المحافظ.

      هذه أهم التحديات التي يتعين مواجهتها إلى جانب رفع بعض الشوائب الأخرى التابعة لهيمنة التيار المحافظ على سلطة القرار، منها تعدد الشهادات لمستوى واحدة، حيث هنا 4 أنواع من الشهادات التي يمكن أن يتحصل عليها الطالب في مستوى الماجستير في الإعلام هي:

   - ماجستير كلاسيكي في علوم الإعلام والاتصال،

- شهادة دراسات ما بعد التدرج في علوم الإعلام والاتصال،

 - ماستر في علوم الإعلام والاتصال نظام ل.م.د،

- ماستر في الصحافة وعلوم الإعلام والاتصال، التابع للمدرسة الجديدة

 وتبدو جلياً بصمات الصراعات الأيديولوجية والسياسية في التخصصات والشهادات، كما تتراءى محدودية الآفاق المستقبلية لدي مصممي ومعدي ومنفذي التخصصات والشهادات، الأمر الذي قد يعمل على إطالة التخلف المعرفي والعلمي وتمديده نحو المستقبل البعيد.  



      1- هذا المصطلح الذي قد يختلط في معناه الدال على المثالية مع المثل والنموذج في اللغة العربية، يقابله في اللغات المتخصصة الرائدة في مجال Paradigm « e »الدراسات الصحافية والاتصال الجماهيري، 

 

    2- إعلان مبادئ حقوق الإنسان في 10 ديسمبر 1948 جاء موسوما بمبادئ الثورة الفرنسية، 1879، ومبادئ الثورة الأمريكية 17.. والثورة الإنجليزية 16.. رغم وجود الاتحاد السوفيتي الموءود والصين الشعبية، عضوين دائمين في مجلس الأمن الدولي يتمتعان بحق الفيتو

    3- بلغ عدد الطلبة في جامعة الجزائر الوحيدة آنذاك حوالي 6000 طالب، وعين أول وال جزائري، وكان يسمى عامل العمالة سنة 1960، وهو أول مسئول سامي منذ 130 سنة من احتلال الجزائر سنة 1830

    4- أنشأت الثورة الجزائرية مؤسسات إعلامية منذ 1956 لمواجهة الدعاية الاستعمارية، فكانت أجهزة دعاية أكثر وسائل إعلام،  مثل الإذاعة، ووكالة الأنباء وجريدة المجاهد.

    5- إطارات فرنسية استقدمت في سياق التعاون التقني خاصة من أوساط يسارية تقدمية، ونفس الشيء بالنسبة للفرع المعرب، مع استبعاد الاختيار على أساس أيديولوجي. حيث كان يتم الاكتفاء بأيديولوجيا العروبة، وبخاصة القومية الناصرية.

    6- يشتمل البرنامج البيداغوجي على جانب مهني مثل فنيات التحرير، الإخراج الصحفي، القصاصات الصحفية،تاريخ الصحافة، السينما، وجانب ثقافي عام، مثل علم الاجتماع العام، علم النفس الاجتماعي، التاريخ، الاقتصاد السياسي، الأدب والقانون والأنظمة الدستورية.

    7- كانت جامعة القاهرة الممثل الوحيد آنذاك للجامعات العربية في مجال الإعلام، في حين تقاسمت الجامعات البلجيكية والبريطانية الدفعات الطلابية مع الجامعات الفرنسية التي كانت تكاد تحتكر المتخرجين من القسم المفر نس للمدرسة، واحتكرت جامعات الولايات المتحدة البعثات الطلابية لأمريكا رغم وجود تخصصات إعلام في الجامعات الكندية.

    8- بدأت هذه المدرسة في التكوين لشهادة المستر ابتداء من العام الجامعي 2009/2010، وتضم طلبة من مختلف التخصصات الجامعية بما فيها الطب والعلوم الصحيحة، بهدف معلن يتمثل في تكوين صحافيين متخصصين.

    9- لم تقتصر عملية إنشاء المدارس على الصحافة و الإعلام والاتصال فقط، ولكنها شملت أيضا العلوم السياسية والتجارة وغيرها من التخصصات التي تم تعريبها.

    10- د.علي قسايسية، المنطلقات النظرية والمنهجية لأبحاث الجمهور، أطروحة دكتوراه دولة في علوم الإعلام والاتصال، جامعة الجزائر،2007

11- صرح مدير المدرسة العليا للصحافة، وهو أستاذ منظر للحركة الفرانكفونية في الإعلام الجزائري، أن مهمة مؤسسته التي افتتحت في بداية 2010، استعادة الإطارات الكفءة  المهمشة في الكلية وأقسام علوم الإعلام والاتصال في مختلف الجامعات الوطنية واستغلالها لتطوير الإعلام الجزائري.

    12- ومما زاد في التشبث برغبة النظام السياسي في التحكم في الإعلام تكويناً وممارسة، انتشار ثقافة إعلامية تفيد أن من يمتلك الإعلام يمتلك السلطة، وأن الصحافة هي سلطة رابعة... وغيرها من القيم الواردة مع البعثات التكوينية للطلبة في الخارج والذين تشبعوا بقيم مدارس متباينة.

 

    13- ينطبق هذا على كل الجامعات الداخلية باستثناء جامعات المدن الكبرى مثل وهران وقسنطينة وعنابة

    14- هكذا يسمى، فهو ليس تخصص "إستراتيجية" الاتصال كما قد يتبادر إلى الذهن ولكنه اتصال "استراتيجي" من اختراع التيار التقليدي المحافظ.

Commenter cet article